الشوكاني
490
فتح القدير
سورة هود الآية ( 18 - 24 ) قوله ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم افتروا على الله كذبا بقولهم لأصنامهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، وقولهم : الملائكة بنات الله ، وأضافوا كلامه سبحانه إلى غيره ، واللفظ وإن كان لا يقتضى إلا نفي وجود من هو أظلم منهم كما يفيده الاستفهام الإنكاري ، فالمقام يفيد نفي المساوي لهم في الظلم ، فالمعنى على هذا : لا أحد مثلهم في الظلم فضلا عن أن يوجد من هو أظلم منهم ، والإشارة بقوله أولئك إلى الموصوفين بالظلم المتبالغ ، وهو مبتدأ ، وخبره يعرضون على ربهم فيحاسبهم على أعمالهم ، أو المراد بعرضهم : عرض أعمالهم ( ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ) الأشهاد : هم الملائكة الحفظة ، وقيل المرسلون ، وقيل الملائكة والمرسلون والعلماء الذين بلغوا ما أمرهم الله بإبلاغه ، وقيل جميع الخلائق . والمعنى : أنه يقول هؤلاء الأشهاد عند العرض : هؤلاء المعرضون أو المعروضة أعمالهم الذين كذبوا على ربهم بما نسبوه إليه ولم يصرحوا بما كذبوا به كأنه كان أمرا معلوما عند أهل ذلك الموقف . قوله ( ألا لعنة الله على الظالمين ) هذا من تمام كلام الأشهاد أي يقولون هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ، ويقولون : ألا لعنة الله على الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء ، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه قاله بعد ما قال الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم . والأشهاد جمع شهيد ، ورجحه أبو علي بكثرة ورود شهيد في القرآن كقوله - ويكون الرسول عليكم شهيدا . فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا - ، وقيل هو جمع شاهد كأصحاب وصاحب ، والفائدة في قول الأشهاد بهذه المقالة المبالغة في فضيحة الكفار ، والتقريع لهم على رؤوس الأشهاد ، ثم وصف هؤلاء الظالمين الذين لعنوا بأنهم ( الذين يصدون عن سبيل الله ) أي يمنعون من قدروا على منعه عن دين الله والدخول فيه ( ويبغونها عوجا ) أي يصفونها بالاعوجاج تنفيرا للناس عنها ، أو يبغون أهلها أن يكونوا معوجين بالخروج عنها إلى الكفر ، يقال بغيتك شرا : أي طلبته لك ( و ) الحال ( أن ( هم بالآخرة هم كافرون ) أي يصفونها بالعوج ، والحال أنهم بالآخرة غير مصدقين فكيف يصدون الناس عن طريق الحق وهم على الباطل البحت ؟ وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به ، حتى كأن كفر غيرهم غير معتد به بالنسبة إلى عظيم كفرهم ( أولئك ) الموصوفون بتلك الصفات ( لم يكونوا معجزين في الأرض ) أي ما كانوا يعجزون الله في الدنيا إن أراد عقوبتهم ( وما كان لهم من دون الله